العنقاء للثقافة

مجلتك الثقافية

حوارات

المصممة الحائزة على المركز الأول في مهرجان المسرح العربي نسرين تفتح قلبها لتروي رحلة البحث وصناعة المعنى البصري

قالت المصممة نسرين محمود، إن المصمم فيلسوفٌ يقرأ التاريخ ليخط ملامح المستقبل بفرشاة الابتكار، تبدأ الحكاية من زقاقٍ قاهريٍّ عتيق، حيث كان إيقاعاً يبحث عن “خشبة” تحتويه، وفي لحظة تجلٍّ فنية، التقت عراقة القاهرة بوقار المسرح العربي، فلم يولد “بوستر” أو شعار عابر، بل وُلدت كينونة بصرية أعادت صياغة الذاكرة بمدادٍ من روح العصر.

في هذا الحوار، نقتفي أثر الرؤية التي نسجتها المصممة نسرين محمود، التي لم تكتفِ باقتناص المركز الأول في تصميم هوية مهرجان المسرح العربي (الدورة 16)، بل اقتنصت جوهر الحكاية، نسرين كانت تُشيد “مسرحاً موازياً” على الورق والشاشات، استنطقت “الملاءة اللف” لتسرد لنا سيرة هيبة المكان، واستدعت ذهب الفراعنة ليتحول إلى كشافات ضوء تكسر عتمة الكواليس وتضيء وجوه الحاضرين، وبكيمياء المبدع، صهرت التاريخ في قالب “المرونة البنيوية”، ليتحول الفن بين يديها إلى كائن حي، يتنفس عبر الشاشات الرقمية، وينبض في صفحات المطبوعات، دون أن يفقد نبضه الأصيل، هي رحلةٌ صوفية في أروقة البحث، بدأت بقراءة التاريخ كمن يقرأ الغيب، وانتهت فوق منصة التتويج، لتثبت للعالم أن المصمم المعاصر هو “فيلسوف الصورة” الذي يقرأ أسطر الماضي ليخطَّ بها ملامح المستقبل. • يجمع التصميم بين الزي الشعبي الأسود المزين بالحلي، وبين “القناع” المسرحي الكلاسيكي.

كيف استطعتِ الموازنة بين “مصرية” المكان (القاهرة) وبين “عروبة” المهرجان في هذه اللوحة البصرية؟

نسرين محمود: ارتكزتُ في فلسفة التكوين على تلاحم بصري جعل من المرأة المصرية بزيّها الشعبي والقناع المسرحي محوراً دلالياً، فالقناع يرمز لوعي الممثل، والمرأة تجسد ذاكرة المسرح العربي. وقد صغتُ هذا الحضور بتوليفة لونية تدمج “الملاءة اللف” السوداء والبيضاء مع أحمر الستائر لترمز لعلم مصر، وزينتُ البطلة بقلادة فرعونية تربط الحاضر بالجذور الأولى، كما عززتُ هذا الثراء بخلفية مستوحاة من العمارة الإسلامية لتأكيد الهوية المكانية، تغمرها إضاءة ذهبية تجسد هيبة “لحظة التصفيق الختامية”، وبذلك، جمعتُ في نسيج واحد بين ثلاث ثقافات أصيلة: المصرية القديمة، والإسلامية، والموروث الشعبي، ليعبّر التصميم عن وحدة الهوية وتعدد روافدها.

  شعار المهرجان الدائم هو “نحو مسرح عربي جديد ومتجدد”؛ كيف انعكس مفهوم “التجدد” في الخطوط والألوان التي اخترتها، خاصة مع دمج اللون الأحمر الانسيابي مع رزانة اللون الأسود؟

نسرين محمود: عملتُ في تصميم الشعار على ترجمة مقولة “نحو مسرح عربي جديد ومتجدد” إلى بنية هندسية حية، تتحول فيها الكلمة إلى مشهد، والحرف إلى ممثل، والتكوين إلى عرض مسرحي متكامل، بهدف صياغة هوية عربية معاصرة ومرنة، وقد استند الشعار إلى خط كوفي حديث بكتلة بصرية متماسكة تضمن سهولة القراءة، مع توظيف حركة الصعود والنزول في الحروف لخلق سلم بصري يقود العين بتناغم بين عناصر الشعار، أما تقنياً، فقد أسستُ التصميم على شبكة هندسية دقيقة تضمن ثبات القياسات، مع مراعاة الفراغات الوظيفية لمنح الشعار شخصية واثقة تعبر عن مسرح ينطق بوضوح. وفيما يخص الشعار الفرعي، فقد ضبطتُه ككتلة ثانوية مستقلة تراعي التسلسل الهرمي للمعلومات، مع الحفاظ على وحدة الأسلوب الهندسي لضمان التناغم الكلي للهوية البصرية.

ماذا اخترتِ حضور “المرأة” لتكون هي العنصر المركزي في الأفيش؟ وهل ترمز هنا للمدينة (القاهرة) أم للفن نفسه في حالته الأنثوية الملهمة؟

جسدتُ في هذا العمل الفني صورة المرأة كرمز مطلق للقوة، وبالأخص المرأة المصرية التي أراها المصدر الأصيل لصلابة مجتمعنا، لذا جعلتُ من بطلة “البوستر” أيقونة لمصر ذاتها، بكل ما تحمله من قدرة على التحدي ومثابرة مستمرة صمدت بوجه الزمن على مر العصور، وقد حرصتُ على ترجمة هذه القوة والمعاني النفسية عبر سيطرة ألوان الأسود والأبيض والذهبي والأحمر على التصميم، حيث وظفتُ الأسود ليمُنح العمل عمقاً درامياً يفيض بالهيبة والجدية، بينما أضفتُ الأبيض ليعكس دلالات الصفاء والشفافية، أما اللون الذهبي، فقد اعتمدته كعنصر ثابت يرمز إلى الريادة العربية والقوة الناعمة المتجذرة في ثقافتنا المصرية والعربية، ليتناغم بدوره مع اللون الأحمر الذي اخترته ليجسد حيوية الحركة المسرحية وروح الاحتفال الشعبي، كونه اللون الرمزي للمهرجان، وفي نهاية المطاف، جعلتُ هذه العناصر اللونية تتلاحم في توليفة بصرية محكمة لا تكتفي بنقل الرسائل النفسية والجمالية فحسب، بل تشكل بتداخلها تكويناً رمزياً يمثل علم مصر، مما سمح لي بالربط بين الفن والوطن في نسيج واحد يعبر عن رؤيتي.

كانت هناك 48 أطروحة منافسة من دول مختلفة؛ ما هو العنصر “الجوهري” في تصميمك الذي تعتقدين أنه جعل اللجنة تراه الأنسب لتمثيل هذه الدورة التاريخية؟

نسرين محمود: سعيتُ في جوهر هذا التصميم إلى تقديم المسرح العربي بوصفه هوية حية نابضة، تتجاوز في مفهومي مجرد كونه حدثاً فنياً عابراً، وقد تجلى ذلك في اختياري لصورة المرأة المصرية العربية لتكون معادلاً بصرياً للمسرح ذاته، بوقفتها القوية والواثقة المتجذرة في تراثها المصري الأصيل، مع حرصي على إظهار انفتاحها الجلي على آفاق المستقبل، كما أبرزتُ القناع المسرحي الذهبي كرمز واعٍ لتعدد الأدوار والرؤى، حيث تعاملتُ معه كخيار فني وجمالي خالص لا كستار للتخفي، في إشارة رمزية أردتُ من خلالها تجسيد وعي المسرح العربي بذاته وقضاياه المعاصرة، ونَسجتُ رقم الدورة “16” داخل البناء البصري للتصميم بعناية فائقة، ليعكس في رؤيتي مفهوم الاستمرارية والارتقاء في المسيرة المسرحية، بعيداً عن كونه مجرد رقم حسابي جامد. حققتُ في هذا العمل توازناً دقيقاً بين العناصر التراثية واللغة البصرية المعاصرة، لأترجم بصدق شعار المهرجان “نحو مسرح عربي جديد ومتجدد”، وهو ما جعل التصميم في مجمله يمثل الرؤية الأقرب والأنسب لي.

كيف صممتِ الهوية بحيث تكون مرنة وقابلة للتطبيق على مختلف الوسائط، من “استوديو 16” للبث المباشر وحتى المطبوعات والنشرات اليومية؟

نسرين محمود: لقد حرصتُ على تأسيس الهوية البصرية وفق مفهوم “المرونة البنيوية”، لتكون نظاماً حياً قابلاً للتكيف مع مختلف المنصات بدلاً من مجرد صورة ثابتة، حيث اعتمدتُ عناصر أساسية كالشخصية والقناع والرقم “16” التي يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها دون المساس بروح التصميم، وفي سبيل ذلك، وظفتُ أسلوباً حركياً مبسطاً يضمن قوة الحضور على الشاشات الرقمية، مقابل تكوينات أكثر تفصيلاً وثباتاً في المطبوعات لضمان وضوح القراءة، وقد تجلت فاعلية هذا النظام عبر تطبيقات متعددة شملت الملصقات، واللافتات، والمطبوعات الرسمية، وصولاً إلى الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، مما منح الهوية قدرة فائقة على الانتقال السلس بين الثابت والمتحرك مع الحفاظ على تماسك الرسالة الفنية، بما ينسجم مع طبيعة مهرجان مسرحي معاصر ومتجد د.

بصفتك من الدارسين الأكاديميين والمصممين المعاصرين، كيف ترين مبادرة الهيئة العربية للمسرح في فتح باب المنافسة للشباب بدلاً من الاعتماد على الوكالات الكبرى؟

نسرين محمود: أرى في مبادرة الهيئة العربية للمسرح خطوة رائدة فتحت أمامنا كشباب أبواب المنافسة الحقيقية، وهي تعكس إيماناً عميقاً بقدرة جيلنا على تقديم نتاج فني يضاهي في جودته كبرى الوكالات المتخصصة، إن هذه الخطوة تضخ دماءً جديدة في المجال، وتسمح ببروز رؤى بصرية أكثر جرأة وصدقاً، كونها نابعة من جيل يطوع أدوات العصر لتعزيز حيوية المسرح العربي ودفعها نحو آفاق أكثر حداثة وتميزاً.

هل تطلب منك التصميم قراءة أعمق في تاريخ المسرح العربي، أم اعتمدتِ على “الإحساس البصري” الأول للحدث؟

نسرين محمود: في رحلتي لإنجاز هذا العمل، ارتكزتُ على أرضية صلبة من البحث والتقصي، حيث سبق الشروع في التصميم مرحلة طويلة من القراءة والاطلاع المعمق في تاريخ المسرح بشكل عام، وتاريخ المسرح العربي بشكل خاص، رغبةً مني في فهم الجذور والتحولات التي شكلت هذا الفن العريق، وقد ساعدني هذا البحث في صياغة رؤية فنية لا تقف عند حدود الجماليات السطحية، بل تغوص في دلالات الرموز المسرحية وتطورها عبر العصور، مما أتاح لي دمج العناصر التراثية بروح معاصرة واعية؛ فكل خط أو لون في التصميم هو نتاج فهمي لهذا الإرث المسرحي، وهو ما مكنني من تقديم هوية بصرية تستند إلى مرجعية تاريخية رصينة، وتخاطب في الوقت ذاته تطلعات المسرح العربي الجديد والمتجدد.

الفوز بتصميم هوية حدث ترعاه رئاسة الجمهورية وتستضيفه القاهرة للمرة الثالثة هو مسؤولية كبرى، كيف سيغير هذا الإنجاز من رؤيتك لمستقبل التصميم الجرافيكي المرتبط بالفعاليات الثقافية؟

نسرين محمود: بصفتي شخصية شغوفة بعمق بالتصميم الجرافيكي، وعاشقة للفن والألوان بكل تفاصيلهما، فإن فوز مشروعي بالمركز الأول في مهرجان عريق بحجم مهرجان المسرح العربي يمثل لي مسؤولية كبيرة، تتجاوز مجرد الاحتفاء بالنجاح لتصبح حافزاً دائماً يدفعني للتفكير بعمق فيما هو قادم، والاجتهاد المستمر لأكون دوماً على قدر هذه الثقة الغالية، ساعيةً للحفاظ على هذا التميز بتوفيق الله عز وجل، لقد أعاد هذا الإنجاز تأكيد قناعتي الراسخة بأن التصميم الجرافيكي المرتبط بالفعاليات الثقافية الكبرى صار شريكاً أساسياً وأصيلاً في صناعة المعنى وتخليد الذاكرة البصرية للحدث، وإن فوزي بتصميم هوية مهرجان بهذه الضخامة والمسؤولية جعلني أكثر وعياً بأهمية أن يكون المصمم مثقفاً وقارئاً للتاريخ بقدر ما هو مبدع وفنان، ليكون قادراً على ترجمة القيم الثقافية الرفيعة إلى صورة بصرية مؤثرة، مستدامة، وقادرة على محاكاة الوجدان.

انجي عبد المنعم – مصر –