في عرسٍ فكري احتضنه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي، تحول المؤتمر التكريمي الثالث لنخبة من أعلام النقد والأكاديميا إلى منصة بحثية معمقة، تجاوزت بروتوكولات الاحتفاء لتغوص في أسئلة الهوية والمنهج، حيث استهل الدكتور أبو الحسن سلام، حديثه برؤية نقدية ثاقبة، مؤكداً أن الهوية المسرحية العربية هي بنية فنية تتشكل عبر آليات اشتغال مسرحي واعية قادرة على تحويل الفلسفة إلى صور حية تمس الوجدان الشعبي دون السقوط في فخ النخبوية المنغلقة أو التبسيط المخل.
وفي ذات السياق الاستشرافي، دعا “سلام” إلى تأسيس مشروع نقدي عربي أصيل يستلهم أدواته من السياق الثقافي المحلي، مقترحاً استعادة بعض النظريات البلاغية العربية، كنظرية “النظم” للجرجاني، وتوظيفها في قراءة العرض المعاصر كمنظومة سيميائية متكاملة لا يمكن فصل عناصرها عن بنائها الكلي، وهو ما تقاطع مع أطروحة الناقد عبد الرازق حسين، الذي استعاد شريط ذكرياته الممتد منذ ستينيات القرن الماضي، مؤكداً أن الحركة المسرحية المصرية استمدت حيويتها من روافد متنوعة كالمسرح الجامعي والعمالي، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة مواكبة النقد للتحولات الرقمية المعاصرة، إذ لم يعد كافياً الركون إلى الصحافة الورقية وحدها، بل يجب مد الجسور مع النشر الإلكتروني لضمان وصول الخطاب النقدي إلى قطاعات أوسع من الجمهور.
ومن منطلق التطوير المؤسسي، طرح الدكتور محمد شيحة، رؤية نقدية تهدف إلى تحويل المهرجانات من مناسبات عابرة إلى “مختبرات مستدامة”، مقترحاً توحيد المحاور الفكرية للعروض والندوات على مدار العام لضمان التراكم المعرفي، مع ضرورة ضخ دماء شابة جديدة تكسر جمود الأسماء المتكررة، وإحياء نماذج التعليم المسرحي الحر والترجمة الجماعية المنظمة التي تتجاوز الجهود الفردية لتربط المسرح العربي بحركة التجريب العالمية، وهي المسيرة التي لخصها الدكتور أسامة أبو طالب، بمرارة المبدع الذي نال التقدير خارج وطنه قبل داخله، معتبراً أن تكريم الهيئة العربية للمسرح يمثل رد اعتبار لقيمة العلم والمعرفة، ومنتظراً من النقد المسرحي أن يرسخ أقدامه كعلم مستقل ومنظومة إبستمولوجية تختلف جوهرياً عن النقد الأدبي التقليدي. وفي تعقيب حمل دلالات الشراكة الإبداعية، أكد المخرج غنام غنام، أن الأطروحات الفكرية التي شهدتها الندوة تمثل “الوقود الحقيقي” الذي تهتدي به الهيئة العربية للمسرح في تطوير استراتيجياتها المستقبلية، مشيراً إلى أن الهيئة تتعامل مع الملاحظات النقدية بجدية تامة لتحويلها إلى برامج عمل واقعية، وهو ما ثمنه المخرج خالد جلال، المنسق العام للمهرجان، معرباً عن فخره بالاستماع لأساتذته الذين شكلوا وعي أجيال من المسرحيين، ومؤكداً أن هذا اللقاء كان استحضاراً لقيم الجسارة الفكرية والنزاهة الأكاديمية التي تليق بمهرجان يقام تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليؤكد أن القاهرة تظل دائماً الحاضنة الكبرى للإبداع العربي في كافة تجلياته.
انجي عبد المنعم – مصر –





