انطلقت فعاليات مؤتمر “الكلمة بتفرق” الإعلامي لمناهضة وصم المرض النفسي والعنف ضد المرأة، بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة، والذي يقام بالتعاون مع مهرجان “ميدفست مصر” والمركز الثقافي الفرنسي ومراكز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية (CEDEJ) والاجتماعية والسفارة الفرنسية بمصر، بحضور نخبة من المسؤولين والخبراء والإعلاميين والمهتمين بقضايا الصحة النفسية.
ناقش المشاركون دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه قضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي وأهمية بناء خطاب إعلامي أكثر مسؤولية وإنسانية، واستهلت الجلسة الافتتاحية بكلمات لكل من لوكا روليه، نائب مستشار التعاون والعمل الثقافي بالسفارة الفرنسية في مصر ونائب مدير المعهد الفرنسي، والدكتور ميتا النجار، مؤسس ومدير مهرجان “ميدفست مصر”، أعقبها كلمات رئيسية للسفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، والسفيرة نبيلة مكرم، رئيس الأمانة الفنية والمدير التنفيذي للتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي ومؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة فاهم للدعم النفسي، وفردريك لاجرانج، مدير مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية
وأكد لوكا روليه، اعتزاز السفارة الفرنسية بالمشاركة في المؤتمر، مشيرا إلى أن الكلمات تشكل نظرتنا للآخرين وتسهم في صياغة مواقفنا من القضايا الاجتماعية المختلفة، وأن اللغة يمكن أن تكون أداة لتعزيز الفهم والشمول ومواجهة التمييز، وهو ما يجعل من المؤتمر مساحة مهمة في أثر الخطاب الإعلامي على المجتمع.
وقال الدكتور مينا النجار، مؤسس ومدير مهرجان “ميدفست مصر”، أن علاقته بالمعهد الفرنسي لم تبدأ من خلال شراكة أو تعاون مؤسسي، وإنما تعود على سنوات دراسته للطب، حين كان يحضر العروض السينمائية والأنشطة الثقافية التي كانت تقام على المسرح نفسه، وهي التجربة التي فتحت أمامه أبوابا جديدة لفهم الفن والإنسانية.
وأوضح أن مشاهدة الأفلام القصيرة للمرة الأولى لم تكن مجرد تجربة سينمائية، بل كانت مدخلا لطرح أسئلة أعمق جول الانسان ومعاناته وطرق التعبير عنها، مشيرا إلى أن هذه الأسئلة لا تزال حاضرة حتى اليوم، وفي مقدمتها: كيف ننظر إلى الآخرين؟ وكيف نحكي عن آلامهم؟ وأي كلمات نختار عندما نتحدث عن القضايا التي لا تُرى بالعين المجردة؟، وأضاف أن التجارب الدولية أثبتت أن مواجهة الوصم المرتبط بالصحة النفسية أو العنف القائم على النوع الاجتماعي لا تحقق عبر التشريعات والسياسات فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى إعلام واع ومسؤول وشراكة حقيقية بين مؤسسات الجولة والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والثقافية، كما شدد على أهمية الاستثمار في تدريب الإعلاميين وصنّاع المحتوى وتزويدهم بالأدوات اللازمة لتناول هذه القضايا بصور مهنية تراعي أبعادها النفسية والاجتماعية والحقوقية.
وخلال كلمته، أكد فردريك لاجرانج، أن المؤتمر يمثل مساحة للحوار وتبادل الخبرات بين الباحثين والإعلاميين وممثلي المجتمع المدني والمتخصصين في الصحة النفسية، موضحا أن المركز يعمل في مصر منذ عام 1968، ويسعى إلى فهم المجتمع المصري المعاصر من خلال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، كما يعمل على ربط المعرفة الأكاديمية بالممارسة العملية.
وأشار إلى أن قضايا الصحة النفسية أصبحت تحظى باهتمام متزايد داخل المركز، إلى جانب موضوعات الجدد والسياسات الصحية والتحولات الاجتماعية، مؤكدا أن الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي قضيتان مترابطتان بصورة وثيقة، وأن فهمهما يتطلب دراسة السرديات والتصورات الاجتماعية التي تشكل نظرة المجتمع إليهما.
وأضاف أن الأبحاث تؤكد أن الصحة النفسية ليست قضية فردية فحسب، بل قضية اجتماعية وثقافية وسياسية تؤثر في الأفراد والأسر والمجتمعات، لافتا إلى أن الوصم وسوء الفهم لا يزالان يمثلان عائقا أمام حصول كثير من الأشخاص على الدعم الذي يحتاجونه إليه، وأوضح أن وسائل الإعلام تؤدي دورا محوريا في تشكيل تصورات الجمهور، حيث يمكن أن تسهم في تكريس الصور النمطية والوصم، كما يمكن أن تكون أداة لتعزيز الفهم والتعاطف وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة.
وأكد لاجرانج، أن اهتمام مركز “سيداج” بالمؤتمر لا يقتصر على تنظيمه، بل يمتد إلى توثيق وتحليل النقاشات التي تطرح خلاله والاستفادة منها في إنتاج أبحاث ودراسات جديدة حول الصحة النفسية والتمثيل الإعلامي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما توقف عند عنوان المؤتمر ” الكلمة بتفرق”، مشيرا إلى أن الدراسات الحديثة لم تعد تنظر إلى اللغة باعتبارها أداة محايدة، بل باعتبارها عاملا مؤثرا في تشكيل التصورات الاجتماعية، مؤكدا أن الهدف من المؤتمر هو الحوار والتعلم المتبادل وليس تقديم الدروس أو الأحكام المسبقة.
من جانبها، أكدت السفيرة نبيلة مكرم، أن لكل إنسان معاركه الداخلية وتجارب حياته الخاصة التي قد يعيشها في صمت، مشيرة إلى أن الكلمة الطيبة يمكن أن تكون فارقا حقيقيا في حياة الآخرين، وأن المجتمع يحتاج إلى وعي أكبر بأثر الكلمات التي تقال للآخرين، خاصة لمن يمرون بأزمات نفسية أو ظروف صعبة.
وأضافت أن الكلمة قد تكون دعما أو تشجيعا أو مواساة أو حتى اعتذار، لكنها قد تتحول أيضا إلى أداة للوصم والأذى إذا استخدمت بصورة خاطئة، وأوضحت أن المجتمع المصري يمتلك الكثير من قيم المحبة والتكافل لكنه يحتاج في الوقت نفسه، على تعزيز ثقافة الإنصات والتقرب من المتألمين بدلا من التقليل من معاناتهم.
وأشارت إلى أن بعض العبارات المتداولة يوميا قد تترك آثارا تقسية عميقة، وتدفع الأشخاص إلى الصمت، والخوف من طلب المساعدة، مؤكدة أن المريض النفسي لا يجب أن يشعر باللوم أو الخجل بسبب معاناته، كما حذرت من خطورة الكلمة في العصر الرقمي، حيث يمكن لتعليق أو منشور أن يتحول بسرعة إلى مصدر للأذى النفسي أو الشائعات، داعية إلى ترسيخ ثقافة رقمية أكثر إنسانية ووعيا.
وأكدت أن الكلمة قادرة على بناء الانسان أو جرحه، وأن المرأة التي تتعرض للوصم قد تتحول من شخص يريد الحديث عن معاناته إلى شخص يفضل الصمت خوفا من الأحكام المجتمعية، واختتمت بالتأكيد على أن مسؤولية الكلمة هي جوهر المؤتمر، لأن الدعم النفسي يبدأ أحيانا من كلمة صداقة وإنسانية تمنح الآخرين شعورا بالأمان والاحتواء.
بينما قالت الباحثة في مركز سيداج، ياسمين الشافعي: “نجتمع اليوم انطلاقا من إيماننا بأن الكلمات أثرا، فالطريقة التي نتحدث بها عن الصحة النفسية لها أثر، والطريقة التي نصور بها الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي لها أثر أيضا، والقصص التي نرويها، والعناوين التي نختارها، والصور التي ننشرها، والسرديات التي نكررها، كلها تسهم في تشكيل فهم المجتمع لهذه القضايا”.
وأضافت: “لقد انطلق هذا المؤتمر من قناعة بسيطة ولكنها بالغة الأهمية، وهي أن الصحفيين والإعلاميين وصنّاع الأفلام ومنتجي المحتوى ليسوا مجرد مراقبين للواقع الاجتماعي، بل هم أيضا من المساهمين في تشكيله، وكيف تقدم قضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الاعلام التقليدية والرقمية، وكيف يمكن للغة أن تسهم إما في تكريس الوصم أو في تمكين الأفراد وتعزيز الفهم المجتمعي، وكيف أصبحت المنصات الرقمية تؤثر بشكل متزايد في تشكيل الرأي العام فضلا عن الدور الذي يمكن ان يؤديه الإعلام في توجيه الأفراد إلى الموارد والخدمات وأنظمة الدعم المتاحة”، وأضافت: “لقد أعددنا أربع جلسات حوارية، نأمل أن تفتح المجال أمام نقاشات ثرية مؤثرة، تساعدنا على فهم الواقع الحالي في مصر، والتفكير في الخطوات اللازمة لسد الفجوات القادمة”.
وينظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسي وتمكين المرأة.
وردة زرقين – الجزائر –





